قيل : إذا خَدِرَت رِجلي وقيل شفاؤها ... دعاءُ حبيبٍ، كنتِ أنتِ دعائِيا
وقيل: إِذا خَدِرَت رِجلي تَذَكَّرتُ مَن لَها ... بِذِكرِيَها حَتّى يَروحَ خُدورُها
طالما استوقفني هذا البيت الشعري لمجنون ليلى ؛ حيث كان القدماء يرتجون زوال خدر أطرافهم بذكر اسم من يحبون، يرون في ذلك معجزة عاطفية تجلت فيها سطوة الشوق وسحر العاطفة.. كنا نقرأ ذلك ونظنه محض مجاز شعري يهرب به العشاق من قسوة الواقع، لكن الحقيقة كانت دوماً أعمق وأجمل مما تخيلنا؛ لم يكن ذِكر الحبيب تعزية كلامية، بل كان استجابة فسيولوجية حقيقية يستجيب لها الجسد قبل العقل..
فالعلم يفسر هذا الخدر بأنه احتباس مؤقت لتدفق الدم وضغط عابر على الأعصاب يقطع عنها الأكسجين، لكن المعجزة تكمن في تلك اللحظة الخاطفة التي يمر فيها اسم المحبوب على الخاطر؛ إذ يُستثار الدماغ بشحنة عاطفية خاطفة، فيحفز الجهاز العصبي على إفراز الأدرينالين والدوبامين، مما يؤدي إلى تسارع نبضات القلب وانشراح الشرايين..هذا التدفق المفاجئ للدم يندفع دافئاً نحو الطرف المخدر، ليعيد تغذية العصب بالتروية والأكسجين، فيفك قيد التنميل ويُعيد الحياة للأطراف فوراً..
من هنا تحديداً، بدأ العلم يعيد صياغة فهمنا للحب والألم؛ فلم تعد العاطفة مجرد مشاعر عائمة في الفضاء..إن العاطفة الصادقة جسر فيزيائي حي، وإن أجسادنا تترجم مشاعر من نحب إلى لغة هرمونية باهرة تطافئ وهج الوجع وتدحر الخوف..
فلم يكن السحر كذبة، ولم تكن اللمسة يوما مجرد تقاطع عابر بين بشرة وجلد، بل كانت رسالة شفرية عميقة يفهمها الجسد قبل أن تستوعبها اللغة..
تخيل امرأة يمزقها ألم جسدي طارئ، وتضيق أركان روحها من شدة الوجع، هي لا تنتظر معجزة خارقة لكي يهدأ روعها، بل يكفي أن تمتد إليها يد الرجل الذي تحب، أن يلمسها بعطف، أو يضع كفه على موضع ألمها وهو يتحدث إليها بنبرة حانية ومحتوية..
في تلك اللحظة بالذات، يحدث ما يشبه المعجزة الكيميائية في خفايا الجسد؛ فمع هذه اللمسة البسيطة الممزوجة بالحب، ينهمر الأوكستوسين، ذلك الإكسير المسمى بهرمون الأمان والاحتواء، ليسري في مجرى الدم كشلال من السكينة، طاردا كل كورتيزول أمامه يخفض بذلك مستويات التوتر التي تزيد من شدة الوجع.. وفي ذات الوقت، يرسل الدماغ أمره العاجل لإطلاق الأندورفينات، وهي المسكنات الطبيعية الأقوى التي في الجسد، فتغلق بوابات الألم في الجهاز العصبي وتمنح الخايا المتشنجة إشارة قاطعة بأن الملاذ قد حضر، وأن السلام قد حل..
إن الجسد المتألم عندما يلمسه من يحب لا يتلقى مجرد دفء حراري، بل يتلقى أمانا بيولوجيا كاملا..فاللمسة الحنونة ليست شعارا عاطفيا، بل هي استجابة عصبية فورية تعيد ضبط نبض القلب، وتهدئ اضطراب التنفس، وتمنح العقل بيانا ختاميا بأن الخطر قد زال.. وحين يلتقي هذا اللمس الداعم بنبرة الصوت الدافئة، تكتمل ملحمة الشفاء؛ فيصير اللمس درعا بيولوجيا يقي الجسد من انكساره، والصوت بلسم روحيا يهدئ الفوضى الداخلية، لتتضافر الكيمياء والعاطفة في تحويل لحظات ضعف الجسد إلى جلسة تعاف باذخة..
إن العلم لم يجرد الحب من شاعريته كما يظن البعض.. بل ألبسه ثوبا من الحقائق الراسخة التي تجعلنا نقدس اللحظات الصادقة أكثر ..فاللمسات الدافئة والكلمات الملهمة التي يقدمها الرجل لزوجته في لحظات انكسارها ووجعها ليست مجرد مجاملات لطيفة أو روتينا عاطفيا.. بل هي ترياق بيولوجي حقيقي يعيد رسم كيمياء الدم وتنسيق هارمونية الأعصاب..إن العطف واللمس ليسا مجرد تعبير عن الود، بل هما أعظم سور أقامته الفطرة لحماية الأرواح والأجساد من الانهيار..
وهنا يقف الخاطر متأملا في دهشة السحر ومجاز المعجزة: أيهما أشد باءة بالافتخار وأجدر ببهجة العطاء؟ أهو الرجل الذي اختصت يداه ونبراته بحمل ترياق الشفاء وجلاء البأس، أم هي المرأة التي جعل الله تبدد أوجاعها وسكون روحها مرهونا بلمسة حنية واحدة منه؟

